designed by: M. Aladdin & H. Fathy

Thursday, February 04, 2016

سيف الاسلام خيرت الشاطر



انتهت الذكرى الخامسة ليناير، سناء نزلت وحيدة، ويقال إن عشرات من الإخوان نزلوا وحدهم في مكان بعيد. في أيام انتخابات الرئاسة الأولى بعد الثورة، أو بالأدق قبلها بقليل، أخبرني العم حسين أنه لا يتمنى أبداً أن يفوز خيرت الشاطر برئاسة الجمهورية.


كان عم حسين أحد المترددين على ميريت بكثرة والجالسين معنا دوماً، بود شديد وأريحية كبيرة، وبذاكرة لا بأس بها أبدى للشعر والأغاني اهتماماً، حتى حسبت أنه صديق لأحد الشعراء الكثيرين الذين يعبرون بالدار الدافئة والكبيرة مقاماً ودوراً، قبل أن أفهم أنها لأسباب تجارية، استطالت بعمق الصداقة التي بناها بعدد لا بأس به من أصدقائي.

هكذا كنت أتخيل أن يرد علي من زاوية أيدولوجية مؤكدة، ولكنه تابع بحماسة "طيب بذمتك دي خلقة الواحد يصطبح بيها متعلقة في مكاتب الحكومة؟!" قالها بحرقة أثارت ضحكي، ليتابع مرة أخرى بجدية ما "لا والله بجد يا عم علاء، طيب يعني السايح من دول ينزل المطار يشوف الخلقة دي ويرجع أزاي طيب؟!".

يجادل بعض أصدقائنا من الإسلاميين بتفاصيل كثيرة عن فكرة واحدة: الغرب الشرير الذي يريد مسخ هويتنا وحضارتنا، يبدأون من أول تكليف أتاتورك بهدم الخلافة، أو للحق يبدأون من عمالة رفاعة الطهطاوي لفرنسا ومحمد عبده للإنجليز، عابرين بعمالة سعد زغلول للقمار تقريباً وكونه ربيباً للورد كرومر، غير ناسين - طبعاً - طه حسين، ولا نجيب محفوظ، ولا الرئيس المؤمن أنور السادات الذين قتلوه بأنفسهم، أو قتله بعضهم.

يجادلون بكل حمية، وكل حماس، في أن كل تطوير للدين هو بسبب العمالة، وأن كل تحديث للسياق هو بدع مكروهة والعياذ بالله، وأن كل هذا التاريخ تاريخ منحول من خونة ومتهاونين ومتعاونين وكفرة، وبالطبع سيضمون أحمد لطفي السيد لو يعرفونه من أصله، دعنا من لويس عوض، فيكفيه اسمه.

طيب، وإن كانت مسألة هيمنة ثقافة على أخرى مثاراً لجدل أكاديمي برع فيه أصدقاؤنا الشيوعيون من دول الجنوب عامة، وإن كانت زاوية "إعادة كتابة التاريخ" لها بريقها الحاد لدى أي ذهن حاضر وإبداعي، فيمكنني فقط أن أسألك كيف اختار الإسلاميون لأنفسهم، بمحض إرادتهم ورغبتهم، مظهراً أشبه بأبي لهب وأبي جهل في الأفلام المصرية الإسلامية القديمة؟! كيف تحول "المسلمون" - كما يروق لهم تسمية أنفسهم - إلى "كفرة"؟!

كيف راقب المصريون بذعر في جمعة الخلافة الإسلامية أو ما شابه، التي دعت لها كل الحركات الإسلامية السلفية فأتي لها الناس من 17 محافظة كاملة، بميكروباصاتهم بأكلهم بأطفالهم بزوجاتهم بذقونهم بجلاليبهم بزبيبتهم، ليعجزوا عن ملء شارع سموه تجاوزاً بميدان النهضة، كيف راقب المصريون هؤلاء "المسلمين" وهم يصرخون في وجوههم، ويتشنجون فوق المسرح، في حدث حرص دهاء العسكر على كونه التظاهرة الوحيدة في تاريخ مصر التي تفتح فيها ميكروفونات التلفزيون بلا وقت محدد، ويغطيها الأخير بـ"كريين" - رافعة كاميرا - تصول وتجول في بانورامية، لتصل أصداء المشهد العجائبي لعيون كل المصريين، حين خطب فيهم "المسلمون" ثم تبعوا الخطبة بصلاة صلوا فيها صورة "الفتح" دون غيرها من سور القرآن الكريم.

كتبنا كثيراً في خيانة النخبة، ولكن، دعنا فقط نسأل: كيف تحولت صورة خيرت الشاطر إلى صورة أشد قبحاً واستغلاقاً من صورة عدلي كاسب في فيلم هجرة الرسول؟! كيف فاقت حقيقة رجل الإخوان المسلمين القوي خيال مخرج الفيلم في دور أبو جهل؟! بل كيف يتحمل بعض المصريين ما لا طاقة لهم به، فقط من أجل ألا يرجع هؤلاء؟!

وفي سياق متصل، وفي أرجاء ميريت أيضاً، قال لي الموك (اسم تدليل صديقنا أحمد أبو المكارم) إنه يتمنى فوز شخص يليق بالرئاسة، "رئيس فـِخـِم" على حد تعبيره. والحمد لله لم يصل أبو لهب المسلم لرئاسة الجمهورية، ولا حتى "الفـِخـِم".
...................................................................................
نشر هذا المقال في جريدة العربي الجديد بتاريخ ٤ فبراير ٢٠١٦. يمكنك رؤية المقال الاصلي هنا

Friday, January 22, 2016

البراءة جهل


كنا في ميريت، انا والعايدي وإبراهيم داوود وآخرون، وفيما اتذكر، طرح داوود سؤالا بدت لنا اجابته بديهية: “ماذا تفعل لو حاول لص سرقتك بالاكراه؟!”. اجبنا انا والعايدي “سنقاوم”. هز ابراهيم كتفيه وقال كمن يقرر حقيقة كونية “لا طبعا، سأعطيه المحفظة”. وأمام استحسان البعض لرد داوود، نظرنا انا والعايدي لبعضينا وصمتنا. تملكني هذا السؤال، وطفقت افكر فيه بين كل حين وآخر، في اوروبا وامريكا يعطون الحافظات، بل حتى ينصحونك بوضع ورقة مالية من فئة معقولة، حتى لا يغضب السارق، الذي هو في حالتهم سيكون غالبا من المدمنين، فيقتلك غيظا. بدا الموضوع حكيما، ولكنني قلت لنفسي “وهل من يسرق عندنا من المدمنين فحسب؟”. 

وباعتبار انه لم يسبق لي الوقوع في ذات المأزق قبلا، فقد كنت احاول تخيل ما الذي يمكنني حقا فعله، تذكرت الخناقات المتباعدة التي تورطت فيها، سواء في مصر او في اوروبا، وغالبا ضد اكثر من فرد في ذات اللحظة، بحماقة بالغة، ولكنني نجوت بدون اصابات حقيقية أو خسائر، وقبل ان اشكر “شجاعتي”، تذكرت ما قاله لي تيم، صديق انجليزي يضرب الآن في اطناب شنجهاي، عن مدى حماقة المصريين الذين يتورطون في خناقات مع من يفوقهم عددا وقوة في الشوارع، اثنى بدافع من أدب انجليزي مجامل ومعهود على هذه “الشجاعة”، ولكنه سأل سؤال مستحق عن النتيجة الاحتمالية لهكذا موقف. يجب، إذن. أن اشكر حظي الحسن؟! هل الوم داوود الملك؟! أم ألوم من علمني قصته؟!

وعندما كنت اصغر من عمري الحالي بخمسة عشر عاما تقريبا، رأيت روائيا لا يسعفني الزمن بتذكر اسمه، ولكنني اتذكر ما صدر به روايته الصادرة من هيئة قصور الثقافة؛ لقد كتب أن البراءة جهل. وظللت، ايضًا، افكر في العبارة. في يوم بعيد آخر، كان بلال فضل يجلس معي، محاولا شرح ما يعتنقه من عدمية ايجابية كما اسماها: الكل للعدم، فافعل ما تحب، فسألت نفسي أهناك ايجاب وسلب في عدم؟ أيوجد معنى في استحالته؟! أي عبث هذا؟!

وهكذا، وجدنا انفسنا نعتبر ان البراءة جهل، وأن الشيطان روح تواقة للمعرفة، وأن الايمان يعني الدوجمائية، وأن العدم هو  الوجود، وان اللطافة ضعف، وان السخرية، بل التهكم المر الكريه، هي قوة، هكذا وجدنا أن الشر هو من يرث الدنيا، هكذا وجدنا ان الشرير هو الملك، هكذا فكرنا في عالم الحيوان باعتباره الكتاب الاسمى للحياة، هكذا قلنا أن الحياة لا تدين لنا بشيء، هكذا قلنا أن النجاح يعني الفساد أو بعضه، والثراء يعني السرقة أو بعضها، هكذا قلنا انه لا عدل.

 وكلما هيئ لنا اننا قد ابتعدنا عن الدين، يمكننا ان نذكر انفسنا بأن المسيح قد قال “الشيطان إله هذا العالم”، وأن القرآن قد قال “ولا تلقوا بانفسكم إلى التهلكة”. 
لم نفكك المعاني لننزع القداسة، أو نخفف الحدية؛ لم نسلم بالعدم، بل صرنا مؤمنين به.

حتى عندما فاجأنا انفسنا، في اليوم الثامن والعشرين، وكنا افضل من احلامنا، وجدنا بعضنا يعتذر لا للناس، بل لنفسه، عن ذلك اليوم. اعلم اننا فيما تبع السطوع قلنا لأنفسنا “نحن افضل جيل”، وها نحن فيما يشبه الانطفاء نقول لانفسنا “نحن اسوأ جيل”، نعم، هذا معتاد. أعلم ان الخطاب حال، ففي النصر نرفع رايات المعنى، وفي الهزيمة نرفع رايات العدم. نعم. هذا معتاد.

ولكن، اخبرني: كيف تنجح ثورة يتصدى لها مجموعة من العدميين؟! 

اخبرني: كيف يمكن لاسماعيل الاسكندراني النجاة من جلاديه، ونحن بهذا الشكل؟!

.............................................................
نشر على موقع العربي الجديد في ٢١ يناير ٢٠١٦، لرؤية المقال الأصلي يرجي الضغط هنا

Tuesday, December 30, 2014

نزيف الزجاج


تتناثر الايام، امامي
لامعات، وذات انياب
كالزجاج المشطوف..
أي انعكاس لوجهي، فوق سطحها اللامع..
وأي الم، يعقبه حرارة،
كجسمي منغرز فيها وحولها.
أي ايام هذه..
وأي وجه ارى؟
وأي جسد، ينزف الصبر،
مثلما يتصاعد العطش؟

Saturday, December 13, 2014

في ارتداء القباعات.


كضباب زفرة تصطدم بمرأة،
كانت قدماي في شوارع الحياة.

ولم اجد وردة تنبت بين شفتيها،
بالضبط، في المرآة، 
حين تكون الاذن اليمني، هي اليسرى.
بالضبط، حين يعني الكلام شيئًا.

لم اعد اضغط علي اليد حين السلام،
واطيل الجد، كثًا كثيفًا، 
واصبحت لا اؤمن بالقطط.
فقط،
ساركز حثيثًا في علامات القدر.


تمر الليالي كجمل مجاملة متعلثمة ومضغمة،
كرد على تحية لم يقولوها.
فأهرب بالمشي، ناظرا إلى الداخل.

لا مبولة يمكنها تلقي الحياة،
كسائل اصفر رغويّ.

هكذا، بلغت الحكمة.

Tuesday, September 16, 2014

The Mechanical Corps.


I was sitting, nonchalantly or so it seemed, on the shore of Lake Wennesse. Home was thousands of miles away, but, even in this beautiful place, full of beautiful people, dog, greenery, sun, and lots of swans, it was occupying my thoughts.
Maybe that’s why I borrowed a pen and a paper from a blonde sitting by me, who was so involved in her work, marking papers filled with blue inscriptions with a red pen. She could not help but work, it seemed. It was not a way of opening a conversation, introducing an exotic foreigner with a funny accent. It was really for the sake of exorcising this haunting essence of home, and writers know this well, or at least some of them.
It was emotional, yes, but it had something to do with logic. My new German friend did not understand the logic of the whole thing. She looked at me, with her green-grey eyes, saying that world was so distant from her. I would argue with Honecker, but—actually—arguing would not get me anywhere, and moreover, Honecker’s course has its own logic, one we can understand in the light of a certain ideology, even if we strongly disagree. But Sissi, the new Pinochet of Egypt, has no logic but the raw grip on a primitive concept of power, mingled with a great deal of collective insanity hitting home, of which he’s both a manufacturer and a product.
Since I left Egypt nearly month ago, the madness continues to prevail: After two days where voters were obviously absent, days filled with hysterical threats by the field marshal and his government, Sissi went as far as imposing a third day of voting, and finally announced himself a winner with 97% of 48% of voters, after which the media went on to attack “traitors” who modified his recorded victory speech to make him look “darker,” and the FJP — the party of the Muslim Brotherhood — website is speaking about how Sissi bleached his skin to look whiter with a million dollar cost, but in order to recover, he will look “darker.”
Such encounters can be added to the duck-as-spy, the Muppet-conspiracy, turning HIV to kofta, and for sure, the boy-toys-to-spy-tools they caught in the Cairo International Airport.
Yesterday, I was with Jovita at an art exhibition. It was celebrating the 40th anniversary of a Berliner art gallery and artists’ studios, dedicating the exhibition to German artists who created futuristic sci-fi comics and dedicated to Jules Verne, using a style attributed to industrial Germany in the beginning of the 20th century. No wonder they called it “The Mechanical Corps.” I could not help but think that Egypt was going down the same course exactly, reinventing the past to the future. It would be so appealing in art, even inspiring, but in the reality, and more specific in the political sphere, it is devastating.
Ah! The blonde in the park had to go, so she had her pen back with a lovely sorry smile. I felt helpless, until a kind guy, who was alert even though cuddling with a woman, helped me out with a pen. Blue ink going after black one: inconsistency. Egypt.
Maybe it was a sign, just to stop thinking, worrying, analyzing Egypt. As a poet friend put it over a chat box on Facebook: “You are coming back to the shit again, so try not to entrench yourself in it now.” Yes, she’s right, but I cannot help it, and I cannot help noticing that “shit” is the code name for Egypt now.
As in literature — as in Flaubert’s sort, the first modern novelist, according to Illyosa — getting drowned in sentimentality means you are dead in it. I do not want it to be a sentimental one, and as proof I would say that Egypt had the code name shit before, back in the days before January 25. Not the very year before it, but years before it, that’s a truth. But again, I cannot help but think that in these old days, it was shitty but abstract, when we had the time and the mind for a movie-night, or a Nile cruise, or gathering in bars. Every word did not vibrate with intense politics, people did not try to measure up their words carefully so as not to be a Muslim Brother, or Mubarakian, or an Army lover. We did not seek approval from the surroundings like cocaine addicts; we were not so damn hysterical like this, back when everything was still unexpected, inexperienced. I try to enjoy my time in Berlin, but it is scary to think I am chasing a status I had five years ago with no success.
Now you may add nostalgia, which is a great aspect of sentimentality, but to blow this up, I can tell you about my scares from Mubarak and SCAF bibi-bullets. I’d tell you how I got these two scars on my writing leg in the Muhammad Mahmoud streets riots, and all of this lyrical shit, but I could also direct you to another scar, a long one, on the other leg. Well, it was done by my cat.
It was the cat claws, trying to catch on anything before falling from my attic. We should not fall into sentimentality and nostalgia; scars can be created by generals and by cats.
See? It is so logical for Jovita not to understand, and for that I kept silent, trying not to speak about it, but she would usually say, as we were surfing the streets of Berlin, that I looked “serious.” I love walking you know, as a real downtowner, the true son of Cairo, but more and more it became harder to everyone, especially those guys up in Cairo in the moment. Over Facebook, I could understand from friends in many areas that “The People’s Enormous Joy” over Sisi’s win was actually in three or four separate spaces, and even with that and everywhere else, it was a few gangs of people riding tok-toks, closing the streets, halting the traffic, so you could see “the loving crowds” flowing out into the streets, maybe naming the Field Marshal and his entire family all together.
Away of such thoughts, I try not to look serious and I try to enjoy the walk, the talk. It was funny and intriguing that we interact in a language which is not either of our mother tongues. It seemed like me speaking to some Mubarakians and Army lovers: You can remove the infatuation.
We were strolling by Check Point Charlie, and I was enchanted by the history flaring up out of the spot. I always was a history lover, an avid one, but the scene of US and Soviet personnel around garrisons, wires, and tanks, all in black and white, drew me back to a different place. A few months ago, I was invited by a book club to discuss my books, so I went there, exercising my love to walking, and I passed by the headquarters of the Northern Egyptian Command, the same set, garrisons, tanks, and masked army personnel. Now, in front of me, I can see the US and Soviet occupation forces bare-faced.
I was brought up in downtown Cairo, just in front of Ministry of Interior, and through my short life, I saw it growing more and more into a fortified beast, and the only lesson I could glean from this, especially the recent cutting of half of the street with a wall, is that whatever garrisons put in place will never be removed. I looked to Check Point Charlie now, again.
And when I went to the nice guy to give him back his pen, writing only half of this for the lack of papers, his lover, a nice lady with some northern English accent asked if I had finished writing my will, pointing out to the paper in my hand. I smiled and I told her that’s a bad omen. She said apolitically that she had written her own. I noted that F. Scott Fitzgerald had written in his obituary that he “had potential, and Great Gatsby proves it.” The bastard did not really know, I told her. She did not know him, but she knew Gatsby, and that lots of artists can feel the same. I bored the couple with another story about the end of Modiliagni, before I thanked them and went.

If this lady managed to read those letters now then I would thank her. Because for five minutes of this day, of this trip, I was speaking purely about art, thinking entirely about art, even if they were sad stories, and even if her joke about writing my will hit a naked nerve.

Friday, June 27, 2014

صباحات الفراولة المبكرة


كالعادة، منذ وصلت إلى هنا، كان اليوم يبدأ في السابعة صباحًا.

في برلين أنا شخص آخر. تبدو عبارة فيها كثير من المبالغة، ولكنها حقيقية، ربما، من اجل جبر بعض من الخواطر وللتماهي مع موضوعية مفترضة، دعنا نقول انني هنا مختلف: اصحو مبكرًا، اقرأ بنظام دقيق، كتاب في الصباح فور الاستيقاظ وكتاب في المساء قبل النوم، وادرك هنا أن النوم سلطان، بدلا من التقلب بلا جدوى في ساعات الصباح الباكر في القاهرة، يحل علي تعب لطيف، ادخل في الوسن بيسر، انام بعمق.

اصحو من النوم، اضع بيضتين في ماء فوق نار، اعد بعض من القهوة الايطالية في آلة الموكا التي نادرا ما استخدمها في القاهرة؛ حتى قهوتي هنا مختلفة، فعادة استخدم القهوة سريعة التحضير التي اضعها في قدحي كشاي، أو- نادرًا- ما اشرب القهوة التركية التي تقلب في الماء بصبر. حمام سريع قبل ان اخرج لاستقر إلى طاولة المطبخ، آكل البيضتين واهين القهوة الايطالية ببعض الحليب: اهدتني شابة ايطالية لطيفة هذه القهوة، ولكن كان وجهها يظهر الامتعاض الشديد حين افسد مذاق القهوة المضبوط بالحليب الذي اضعه فيها. كنت حريصًا علي تذوق رشفتين من القهوة قبل صب الحليب، اتذوقها ببطء وبأناة وباستمتاع.

في حوالي الثامنة والنصف، أو التاسعة، بعد القراءة في الرواية اخرج لابتاع بعض من الفراولة الالمانية الشهية، الصيف هو موسمها، قال لي أحمد فاروق (كافكا) صديقنا التسعيني المستقر في برلين منذ عقد ونصف، أن مذاقها يذكره بالفراولة المصرية قديمًا، نعم، لديه حق، كانت هكذا في طفولتي، قبل أن تُمسخ في مراهقتي، ويشيع استخدامها مقطعة مع رش السكر فوقها، ولكن كافكا-فيما اظن- لم يدرك التحسن الذي طرأ عليها في اواسط رجولتي، اتذكر ان احدهم قد فسر لي الموضوع بانتقال من سلالة من الفراولة إلى سلالة اخرى، ويأخذ الامر سنين قبل أن يتحسن المحصول، ربما.

الفراولة: فاكهة الجنة، لونها الاحمر وشكلها المخروطي ققلب، المسام الخضراء الدقيقة فوق سطحها، العصارة الشهية التي تجول بفمك وحول لسانك وانت تقضمها بيسر، كانت واحدة من فاكهتي المفضلة، سواء كفاكهة أو كمربى، فيتراك الفراولة، هذه الايام. لسبب ما لا استسيغها كعصير، ولكن الموضوع يمكن تفهمه في ضوء انني احب المانجو حبا جمًا كفاكهة او كعصير، ولكنني لا اتخيلها ابدا كمربى.

امشي عادة قليلا في ارجاء كرويتسبرج، قبل أن اعود بحصيلة الفاكهة وبعض من الخضروات لسلطة طازجة، اترك كل شيء وآخذ اللاب توب إلى حيث “كوتي كافيه”، المكان متعدد الاعراق والتوجهات بالقرب من منزلي. هي منطقة تموج بالمهاجرين، وبالموسيقى العربية والتركية والكردية. بالأمس، اثناء صعودي للمنزل وبعض من وسن يتمكن من دماغي، شاهدت زفة عربية اسفل المنزل، خمنت انهم جيراني الذين يشغلون موسيقى أم كلثوم بين حين وآخر في الظهيرة. كان موكب العربات عربيا في كل شيء، الزينات والاشخاص والضحكات واللغة ولكنها، ولكنني شاهدت بدل العلم علمان فوق كل عربة، العلم الالماني.

اجلس في الكافية لاعمل قليلا واتصفح الانترنت كثيرًا، لن اثقل عليكم بالشأن العام لأننا كلنا في الهم واحد، ولأن مسئول الصفحة ها هنا قد نبهني، المهم، ما يزال لدي وقت قبل الذهاب لمعرض الفنون التي اخبرتني عنه صديقتي الالمانية، اتمم ما جئت لاجله، واجرع “الشاي العربي” بالنعناع كما يسمونه، قبل ان انفذ خططي المعتادة بالمشي لاطول مدد ممكنة في مكان يحتفي بهذا الفعل، ولكن، قبلا، يخطر ببالي أن احادثكم عن طعم الشاي، طعم مختلف، لم اعرف بالضبط- إن شئتم الحق- إن كت استسيغه أم لا، رغم انني اشربه كل يوم كبغل. اذا ما افترضنا أن القوم هنا يحضرون نوع حقيقي من الشاي، كيني أو سيلاني، فيبدو أنني المستهلك المصري المثالي، الذي تحدث عنه “بهظ بيه” في فيلم الكيف. افكر في كل يوم، وانا اطلب الـ”ارابيش تي” أن اسأل عن بلد منشئه، ولكنني كنت انسى، أو اتناسى.

اعيد اللاب توب إلي المنزل ثم آخذ وقتي للمشي، كان الأمر يشبه التحدي: لابد وان امشي شارع الكارل ماركس لنهايته.

كنت قد تمشيت بطول الطريق الطويل الذي يقود من كوتي كافيه إلى حيث الهيرمان بلاتز، الميدان الذي ينطلق منه شارع كارل ماركس، وهو غير طريق كارل ماركس الذي كتبت عنه قبل ذلك. كنت اتأمل من يقبلون على، ومن اتخطاهم، بفضول لم يقتله التعود، ميزت مع الوقت اختلاف الحجاب التركي عن الحجاب العربي، أو هكذا ما تخيلت، رأيت نساء شقروات وسمراوات شهيات، ونساء اوغلن في السن، ومرأة قصت شعرها كرجل، وكانت ملامحها كرجل، ولولا ثديين بارزين لحسبتها رجلا، رأيت حتي سيدة تشبه تماما نبيل الدسوقي، الممثل القديم، ولم اعرف إن كان التعاطف شعورًا مناسبًا تجاهها أم أن هذا شيء طبيعي لا يفسد الحياة. رأيت رجالا متوسطي العمر، وبعضهم يزتدي ملابس تعود في هندامها الي سنى السبعينات، وذكرني هذا بمدرس قديم في مدرستي الثانوية، تاه في تلافيف العمر اللي الدرجة التي جعلته ما يزال يرتدي الشارلستون الواسع في سنين التسعينات. شابات في مقتبل العمر، وفي مقتبل الحياة، يرتدين الهوت شورت كاشفات عن جمال فتىّ مازال يحتفظ بفضوله.

عبرت بالهيرمان بلاتز، ثم دخلت الشارع الطويل، وطوفان البشر ما يزال مستمرًا؛ كنت مولعًا بالمشي منذ حداثتي، كمولد من مواليد وسط المدينة التي احيانا ما تقودك لكي تكون اكسل خلق الله أو لتكون مجنونًا بالمشي مثلي، حين اكون في الاسكندرية لي عادة محببة: ان انزل من محطة سيدي جابر، لامشي في شارع ابي قير بطوله، حتي حديقة الشلالات، لأكمل في شارع فؤاد، حتي انحرف يمينا صاعدا الي محطة الرمل، ثم امشي بطول الكورنيش راجعا الي فندقي المفضل في كامب شيزار، في مرة اصيب احد السكندريين بالارتياع لخطتي وقادني من يدي مجبرًا الي حيث الترام.

في مرة كتبت رواية كاملة عن فعل المشي، وكان اسمها، ولا عجب، القدم. وعندما يبلغني بعض القراء بحبهم لها اسعد جدا، كانت القدم تجربة موغلة في التجريب كعادتي، واستعارت السياق المتشظى لعقولنا اثناء المشي كبناء، فاحيانا نفكر في ذكريات متداخلة، واحيانا يقطع هذا التيار انتباه وقتي لحادث في الطريق، او تأمل لواجهة محل أو لبشر يعبرون الطريق.

كان السرد مترادفة باستلهام لتشظى الحكاية عند القرآن، حين يذكر ذات الحكاية في مواضع متفرقة، وإن كان وفيا لجذور الحكي الاوروبية مع ذلك، وبينما انا امشي في الكارل ماركس، لاحظت مثل هذا التداخل من ميراث شرقي وغربي معًا، في سياق اخر هو المصدر التي نعب منه لنصنع جداولنا الصغيرة التي تخصنا: الحياة.
كانت التجربة اكثر ايغالا من اليوم الثاني والعشرون مثلا التي اعتمدت اللعب علي تكنيك مشابه: كيف نتذكر الاشياء وكيف ننتقل بعقولنا من تفصيلة الي اخرى بلا ترتيب، ولكن ان كانت الحكاية في اليوم الثاني ذات موضوع بعينه، وانا العب في تفاصيله وكرونولجية سرده، فقد كانت القدم هي التشظي الكامل، حول حكاية صغيرة صلبة كنواة في داخل النص.

كنت افكر انه، بما انني عنيد كبغل وسأتمم الشارع الطويل لاخره، فسيلزمني ان انحرف يسارًا في اي نقطة اختارها، قبل آن يتوجب علي آن انحرف ليسار آخر، قد يكون بطول احدى القنوات التي تفصل ما بين الجزر الصغيرة البديعة التي هي برلين، حتي اصل لنقطة توازي مكان منزلي. املك حاسة جغرافية اثق بها، واتركها لتأخد قدماي، ك،احد من مواليد وسط المدينة الذي دربوا علي فنون الابحار في الشوارع، وتوخي اقرب النقاط التي يمكنهم الوصول عبرها الي الهدف، أو لتجنب منزل أو محل او ناصية بعينها مثلا.

في المرة الاولي التي وصلت فيها ادنبرة قبل سنين بعيدة، اتذكر انني قد مشيت بلا هدى غير قياساتي المنطقية (في زمن لم تكن فيه الهواتف الذكية أو برنامج الجوجل مابز شائعًآ)، لمدة ٤ ساعات متواصلة لاصل لذات النقطة التي بدأت منها، غير بعيد ابدا عن مدرسة الجورج هارييت التاريخية، قريبا من مكان سكني آنذاك.
ساعتها عبرت بشارع البرنسيس آن دون ان اعرف اسمه، وهو ذات الشارع الذي بدأ فيه فيلم ترايسبوتينج الشهير، وحيث يتفرع منه شارع يوجد به بار بديع اسمه الرويال اوك، وهو نفس البار الذي عبر به بلال فضل مثلي، حين زار ادنبره، واظن ان ذلك تم بغير ترتيب بعينه، مثلما فعلت بالضبط.

علي العموم، اكملت الطريق حتي آخره، حتي تعديته ووصلت الي بداية طريق سريع يقود الي المطار وهامبورج، فقفلت راجعًا، ودخلت الي الطريق الذي توجد علي ناصيته محطة قطار نويكولن، لامشي في منطقة جميلة، مليئة بالاشجار والهدوء، لاخذ قهوة سريعة في مكان لطيف، قبل أن اكمل رحلتي عبر الزونين شتراسه.
كان الشارع بديعًا لدرجة لا تصدق في الربيع، باشجاره الوارفة وجمال ابنيته، ويمكنك ان تراقب ساحرًآ اختلاط لافتات المحلات العربية بحقيقة كونك في اوروبا، ولتفكر ساخرًا أنها منطقة محسوبة حتي الان علي الطبقة الوسطى- رغم ارتفاع اسعارها في السنين الاخيرة- وهي اكثر جمالا وسحرًا ونضافة من حالة مناطق النخبة في مصر الآن مثل المعادي أو الزمالك، وذات روح مدينية حقيقية اكثر من تلك “المجتمعات العمرانية المغلقة علي نفسها في اطراف القاهرة، خاصة بتلك الشوارع الجميلة الصغيرة التي تتفرع منه. رأيت حافي الشوارب وبعض المنقبات والمحجبات، مع بعض الالمانيات من الجيل الثاني اللاواتي كن يحملن هذا المزيج القاتل: الجمال الشرقي والبشرة الغربية، الدلال الذي اعرفه في الجنوب مترابطًا مع حسن الذوق الشمالي. اخبرني كافكا لاحقًا أن هناك رواية جميلة تحمل اسم “شارع زونين” وقامت احدى صديقاته بترجمتها، كنت فضوليًا لاعرف إن كانت الرواية تتناول الجالية العربية والتركية والكردية هناك، ولكن كافكا اخبرني أن الموضوع تاريخي وليس معاصرًا.


قرب المساء كنت انتظر صديقتي الالمانية امام محطة المترو، وكلمة المساء مخاتلة تمامًا، لأن الغروب في برلين الآن يكون في حوالي التاسعة والنصف مساءً تقريبًا. جائت برشاقتها واناقتها المعتادة، مضينا إلي حيث المعرض، واحد من حلقات معرض اشمل في طول العاصمة الالمانية وعرضها مخصص للمصممين، دخلنا إلي بناية كلاسيكية انيقة، وبدأنا في استعراض العديد من اللوحات.

سألت بينزي- فرانشيسكا- مديرة الجاليري التي لفت نظرها ولع مشترك ما بيني وبين الالمانية بلوحة ما، عن اسم الفنان، اجابتني بانه رسام وكاتب ومصور الماني يدعى توماس جرويتز، ثم مضت باحترافية لتسرد عن لوحات اخرى موجودة في المكان، كان القاسم المشترك بينها جنسية الفنانين الفلندية. قلت لها غير فاهم “اذن هو مهرجان للفنانين الاجانب؟” قالت لا، هذا الجزء هنا- واشارت الي صالات متسعة عبرناها من قبل- هو مخصص للمهرجان، هنا بقية الجاليري، وهذا معرض مقتنيات خاص، يمتلكه رجل اعمال فنلندي ثرى، ويخصص اغلبه لعرض اعمال الفنانين من بلاده.

كان رجل الاعمال الفنلندي، تيمو ميتينن، قد ابتاع هذا البيت بكامله قبل اربع سنوات، هذا البيت، ٣ شارع ماربورجر، هو واحد من مبان نادرة ظلت موجودة من قبل الحربين العالميتين، انشئ هذا المنزل في العام ١٨٩٦- تقريبا هو من نفس عمر بيت عائلتي الكبير- وكانت تمتلكه سيدة يهودية تركته للنرويج ابان الحرب العالمية الثانية، ثم رجعت لتستقر به حتى وفاتها، ثم ليبتاعه الثري الفنلندي الشقة الواسعة الفسيحة التي تقيم بها إلي صالون دالمان، بنفس اسم السيدة الاخير ، مسلما اياه للمهندس كارل فيلي، الذي اسعدني الحظ بوجوده في المعرض. تقودني اليه فرانزي وتقول له ان الاستاذ روائي مصري مهتم بسماع حكاية ترميم المنزل. منحني من وقته بكرم شديد، وظل يشرح لنا- انا والصديقة الالمانية- خطوات ترميم المكان، وكيف استعانوا بنفس المكونات الاصلية من منازل اخرى للحفاظ علي السمت التاريخي، ريما الاستثناء هو الحمامات، طبعا.

اللطيف في الامر أن الثري يجىء هنا للاستقرار اسبوع او اسبوعين كل صيف، بقية الشقة التي هي جاليري تعمل فقط في يوم السبت من كل اسبوع، وهناك باب يغلق ما بين الجزء الذي يقيم به الثري وما الجاليري، بل ويؤجر المكان كشقة للعطل الصيفية ايضًا، الف يورو كاملة في الاسبوع، واذا سألتني، فالمكان يستحق. ليس فقط لنظافته واناقته، بل لكمية الاعمال الفنية المتناثرة في كل ركن من الشقة.

نشكر المهندس ثم نمضي لنشرب شيئًا قبل آن نعود إلى المنزل، انظر في ساعتي، هي الحادية والنصف مساءً. افكر في ان اصدقائي في القاهرة، لو عرفوا انني ابدأ في النعاس في حوالي الحادية عشرة والنصف مساءً لفكروا جديا في عرضي علي طبيب أو ما شابه، ولكنها صباحات الفراولة المبكرة.

…………………………………….
نشرت في اخبار الادب بتاريخ ٢٧ يونيو ٢٠١٤